الـــــــوجـــــــه الآخــــــــــــــــــر
موقع شخصي تعريفي للكاتب القاص/ عبــدالله النصـــر

ثلاثية: الواقع. الموت. الحلم

ثلاثية: الواقع. الموت. الحلم

قراءة فى: " بعث فى خلايا مستقيلة"

للأديب : عبد الله النصر

بقلم الأستاذ الأديب / محمود الأزهرى ( مصر).

 

" بعث فى خلايا  مستقيلة " هو عنوان المجموعة القصصية الأولى للأديب السعودي الشـاب: عبد الله النصر ، والمجموعة تضم تسع عشرة قصة ليس من بينها قصة واحدة تحمل هذا العنوان " بعث في خلايا مستقيلة " إذن هو عنوان مستقل أبدعه الكاتب ليؤدى دلالات معينة تضاف إلى مجمل دلالات ورؤى قصص المجموعة أو تشير إليها وتومىء إليها أو توجزها ! فما هي تلك الدلالات يا ترى ؟ البعث هو إعادة الحياة بعد الموت ، والبعث هنا في خلايا جسد حي أو مكان ناهض ألا إن تلك الخلايا ليست ميتة تماماً ، إنها مستقيلة فقط ، عاطلة عن الحركة ، عارية عن الفعل ، إذن فالكاتب من البداية يعلن انه معني بإعادة بعث وتنشيط وتحفيز خلايا الجسد العربي أو الكيان الإنساني بوجه عام ، للعودة للعمل والرجوع للحياة ، وقيادة ركب النهضة الذي تخلفنا عنه طويلاً !! وسوف يرى القارئ هذه الدلالة حول العنوان بشكل مفصل في ثنايا هذه القراءة حيث سيتم تتبع هذه المعاني وتلك الرؤى. ومما يؤكد ما سبق الإهداء ، فالكاتب أهدى مجموعته القصصية إلى شخص مجهول الاسم ولكنه معلوم الصفة (( إلى من يشبهني أو استطعت أن أحوله شبهي أثناء أو بعد قراءة كل نص )) ويظهر من هذا الإهداء حرص الكاتب على العثور على القارىء الجيد والعمل على تحفيز عقله وطاقته الكامنة على التفكير وإعادة الوعي بالأشياء ، وسواء كان هذا القارىء  مما يمتلك نفس رؤية وأفكار الكاتب قبل قراءته للقصص أو تجددت له الرؤية وحدث له الاتفاق أو الاقتراب من شخصية الكاتب أثناء أو بعد القراءة فالكاتب يعلن أن هذا القارىء هو الذي يستحق التحية ، والنصوص مكتوبة وموجهة إليه، وفى الإهداء دلالة أخرى وهى أن شخصية الكاتب عبد الله النصر كامنة وموجودة خلف النصوص سواء بشكل ظاهر أو مستتر وباطن. وتتنوع طرق وتقنيات السرد داخل المجموعة فهناك ثماني قصص مروية بضمير الغائب والراوي فيها ليس جزءا من الحدث ولا من نسيج العمل إنه الراوي العليم العارف بكل شيء في الماضي والحاضر بما يحدث في الهواء الطلق وبما يجرى في الغرف المغلقة بما يبدو من تعبيرات وانفعالات على الوجوه وبما يدور في العقل والقلب من أفكار وهواجس ومشاعر ومواجيد وهذه القصص هي :- " للامس رائحة حمقاء القرش- عزوف- صعاليك- رقصة الموت- استقالة عاجلة- الفاصلة وأخيراً احترقت التجاعيد " .وهناك عشر قصص أخرى مروية بضمير الأنا فالراوي فيها جزء من الحدث وركن من العمل الأدبي  يقص ما رآه بنفسه ويتحدث عن خوالج نفسه ومكنون ذاته وبالتالي فهو صادق لأنه يروى ما يعرف، ويقص ما يدرك، ويسرد ما يرى، وهذه القصص هي: " ذات العباءة البيضاء انتجاع على ضفاف القوارير جمر يتنفس النار بناء على واجهة السقوط امرأة تعانق الألق شارب الوحل أبجديات آدمي الصفعة وكان الموت مطلباً الموت بعامل التعرية " بينما تقف هناك قصة واحدة منفردة متميزة عن باقي قصص المجموعة وتلك هي قصة " بلل بلا ماء " فهذه القصة الراوي فيها ضمير الأنا نعم ولكنه أي الراوي  أنثى فهي إذن قصة مروية على لسان امرأة ولكأنها تقف وحدها شامخة لتمثل صوت الأنثى في المجموعة. ونصوص المجموعة تتميز بهذه اللغة التصويرية المكثفة، إنها لغة شعرية حالمة ملأى بالشجن والحزن، وتعدد الدلالات واحتمالات المعاني، تأتي في شكل جمل قصيرة سريعة متلاحقة أحيانا، وأحيانا أخرى في شكل جمل طويلة وتراكيب وراثية موغلة في تراثيتها وهو ما سيظهر واضحاً أثناء قراءة القصص.          

والمجموعة القصصية "بعث في  خلايا مستقيلة "، للقاص السعودي عبد الله النصر تدور في مجملها في مثلث: الواقع والموت والحلم ……  فنصوص المجموعة تنهل إحداثها وعبقها من هذه المحاور الثلاثة وهى محاور وزاويا متصلة  ببعضها لا يمكن فصلها إلا على سبيل المجاز، ومن اجل تقريب الفكرة للقارئ، ومن اجل اصطياد المعنى الشارد في بيداء الكلمة الشاعرة التي يرسم  بها عبد الله النصر نصوصه.

الواقع:-  والقصة الأولى في المجموعة التي تنتمي إلى الواقع المعاش ومفردات الحياة اليومية التي نراها ونلمسها ونتنفسها هي قصة : " للامس رائحة حمقاء "، وواضح من العنوان الانحياز للحاضر والمستقبل على حساب الماضي ، فالأمس وهو اللفظ الدال على الزمن الماضي والتاريخ السابق وتراث الآباء والأجداد يوصف بان له رائحة حمقاء، ولكن القصة نفسها تقف ضد رؤية  العنوان فبعد قراءتها سنجد أنفسنا منحازين للماضي ومتعاطفين معه بدرجة كبيرة ـ والقصة تروى حكاية رجل استطاع بجهده وعرقه أن يشترى حقلاً واستطاع كذلك بعد محاولات مضنية أن يشترى فسيلة و يزرعها في حقله لتكبر وتكون نخلة باسقة يأكل منها صاحب الحقل وعائلته، ويكبر ابن صاحب الحقل ويصبح أستاذاً بحجم الكون أو أستاذاً بحجم عقله ويشترى الابن /الأستاذ/ امتداد المستقبل ، الحقل من أبيه ثم يأتي الابن بجرافة ليقتلع النخلة من جذورها ، النخلة التي هي رمز للعربي في صموده وإبائه وشموخه ومتانة وصلابة جذوره وعطائه الممتد اللامتناهى، يقتلع الابن النخلة من جذورها بجرافة دون رحمة ودون شفقة بابيه وتوسلاته ورجاءاته أو بالأرض أو بالنخلة !!    ودون أن يقدم الابن بديلا لما فعله بالأرض وبالتالي فكأن مراد الابن هو الهدم والتخريب فقط دون أن تكون لديه رؤية واضحة عن العطاء والبناء، لهذا السبب لا يمكن للقارئ أن يتعاطف مع ما فعله الابن لأن فعله غير مبرر فلا يمكن تبرير الهدم لمجرد الهدم ولا مساندة التخريب لمجرد أنه فعل الشباب وإعطاء المستقبل دوره ، وما ذكره الكاتب من محاولة تبريرية للعوامل النفسية التي دفعت الابن لهذا الفعل لا تكفى لتأييده تأييدا مطلقا ، نعم هذه العوامل النفسية قد تكون كافية لفهم دوافع الابن لارتكاب جريمة تجريف الأرض واقتلاع النخلة فقد ذكر الراوي العليم إن الأب كان يأخذ الابن في صباه ويرغمه على سقى النخلة قهراً وتحت ألم السوط فيضطر الابن لسقي النخلة خوفاً وذعراً، إن هناك أخطاء في الماضي بلا شك ولكن هذه الأخطاء لا تكفى للانقلاب علية بل لابد من وجود رؤية واضحة المعالم للبناء والعطاء. وهذه القصة تتميز كعدد كبير من قصص المجموعة بلغة عالية فيها التكثيف والتصوير الشعري كقول الكاتب : " مفاجأة نارية كسته بلون الدم دهشة قاسية فتحت عينيه باتساعه " وكقوله : " تتراقص خطوط الوجه بانتشاء " الخ ويلاحظ انه لا وجود للمرأة أو الأنثى في هذه القصة سوى النخلة والجرافة كما يلاحظ أن الحوار بين الشخصيات كان باللغة الفصحى، والقصة الثانية التي تنتمي إلى قصص الواقع في المجموعة هي قصة "القرش" وهى قصة جيدة تظهر فيها حساسية استعمال اللغة ، والقدرة على اللعب بها ، وتداعى الفكرة بناء على تكرار لفظ واحد يتم بناء الجملة عليه ، فجمل القصة قصيرة تعتمد على التصوير الشعري فهي قصة / قصيدة تحمل تقنيات النص الشعري في تحمله بدلالات متعددة لا يمكن الإمساك بإحداها فقط دون الالتباس بغيرها ، وهى ملأى بطاقة متوترة من المشاعر والخوف والغضب وانتقاد واقع أليم ولحظة قاسية عاشها صاحب القرش المفقود !! ذلك الشخص الباحث عن رغيف يسد  به جوعته وهذه القصة التي يصعب على القارىء أن يحكيها أو أن يحاول إيجازها لجمالها الأخاذ الكامن في تكثيفها " الشمس تسحب أذيالها بهدوء.. بهدوء صالح ينسل من نصبه اثنتا عشرة ساعة التحفت بالجور وقد شرب عرقه، شرب العرق بقرش واحد، قرش واحد قد احتل مكانا في المحفظة المهترئة احتضنت القرش بقوة ثم رقدت في جيب صالح ، الجيب المطر بالإبر" ويظهر في قصة " عزوف " انحياز الراوي العليم إلى  شخصية مهمشة هي شخصية المرأة العاملة في غرفة غسيل الملابس، وينجح الكاتب في تصوير حالة هذه المرأة ومشاعرها من خلال رصده لها في وقت زمني قصير يبدأ من عصر اليوم وحتى أفول الشمس مصوراً علاقة المرأة بالغسالة والحياة بلغة بها التكثيف والتصوير الشعري وإتقان اللعب باللغة مع جعل المرأة محورا للقص في هذا النص الذي ما إن نخرج منه حتى نجد أنفسنا أمام " صعاليك " هذه القصة التي ترصد بعذوبة وتوفر رحلة طفلة صغيرة لتحقيق حلمها وهو الحصول على " بسكويت بالشيكولاته بداخله هدية " في قرية نائية تسكن في جوف الصحراء . ، وتبدأ القصة من اتهام الطفلة لأبيها بالبخل نتيجة للمعاناة والصعوبة في سبيل الحصول على " الريال " ! ريال واحد فقط لشراء البسكويت ، وينجح الكاتب في تصوير الطفلة وملابسها والمكان الذي تسكن فيه ، ورحلة خروجها وحركتها حتى تصل إلى الحانوت، والذي تصل فيه القصة إلى ذروتها حيث تصدم الطفلة بتحطيم حلمها وفشلها في تحقيقه ، لأن البسكويت الذي تطلبه بريال وربع ، ولا شفقة عند البقال ثم تنتهي القصة بأن تصدر الطفلة حكمها بالبخل على كل الآباء : " كلهم بخيلين بخيلين .. وهذا أبخل من أبى ! " والطفلة الأنثى هي محور هذه القصة كما إن للمكان دوره البارز والمؤثر في رسم هذه القصة التي تم تصوير الأب والبقال والمرأة العجوز فيها بشكل سلبي، عبر لغة في مجملها عالية تحمل الكثير من الصور الشعرية ، ومن خلال حوار بين الشخصيات مختلط  أحياناً يكون الحوار بالفصحى وأحيانا يكون باللهجة الشعبية الدارجة وهى من القصص القليلة التي جاء فيها حوار باللهجة الدارجة ولا يعنينا إصدار حكم ما حول الحوار وكيف يجب أن يكون ، بل ما يعنيني هو رصد ما هو موجود داخل النص وعلى الكاتب أن يختار ما يناسبه وعلى القارىء بعد ذلك أن يتجاوب مع ما يحبه، وفى هذه القصة يصعب تحديد من المقصود بالصعاليك؟! هل هم الأطفال الباحثون عن حلمهم أم هم الآباء المتمسكون بما لديهم الجامدون عن رؤية الرغبات الجديدة لأبنائهم؟!

ومن القصص التي تنتمي لهذا القسم أعنى قصص الواقع قصة " جمر يتنفس النار " وبعد أن نلاحظ التركيب الشعري للعنوان نرى أن هذه القصة ترصد إشكالية الإنسان في ظل مجتمع المدينة ومفردات الحياة الحديثة: المكاتب الهاتف أجهزة التكييف أجهزة الحاسب الآلي .. الخ وفى ظل توفر كل هذه الأشياء، وكل هذا التقدم التكنولوجي يمكن أن يضيع الإنسان نفسه كما أنها القصة ترصد عدم رضا الإنسان بوضعه وهيئته التي هو عليها، وطموحه وتطلعه لغيره فالموظف الذي يعمل داخل مكتب ومحاط بأجهزة التكنولوجيا يتطلع إلى البستاني الذي يعمل في حديقة المبنى ولكن البستاني لا يرى النعمة التي هو فيها فيتطلع بدورة إلى الراحة والرفاهية التي يعيشها الموظفون داخل مكاتبهم ، كما أنها ترصد ذاتا تحاول التمرد على الواقع المعاش وتحاول التعبير عن ذلك صراحة أو عن طريق السخرية اللاذعة من مفردات الواقع المعاش : " الجميع يصمت حينما أوالى صراخي ونقدي اللاذع والساخر أحياناً ، وربما اعتادوا ذلك منى لذا فهم ينعتونني بالجرأة والتهور، وعدم الخوف على نفسي، وعلى ضياع لقمة العيش، يصمتون حتى أخرج من المكتب كعادتي لأتجول في المبنى بعض الوقت وأعود هادئاً " والراوي في القصة هو نفسه الشخصية الرئيسية في القصة بما يوحى أن هناك تطابقاً أو انسجاماً بين الموظف المتمرد والكاتب. وبالرؤية ذاتها نقرأ قصة " استقالة عاجلة " المكتوبة بضمير الغائب، إذن فالراوي هنا هو الراوي العارف بما جرى في الماضي وبما يجرى في الحاضر، إنه يقص علينا حكاية رجل ظل يعمل خمسا وثلاثين سنه حتى فصل أو طرد من عمله، وظلت زوجته تغفر له وتسامحه إلى أن وصلت إلى النهاية فلم تغفر له أخطائه ولم تقبل اعتذاره عن إهانته المستمرة لها بعد طرده من العمل رغم أنها قبل طرده كانت تقبل الاعتذار وبالنسبة له فإنه وهو الذي تجاوز الخمسين عاماً لم يتحمل فراق زوجته ففارق هو الحياة . أليست هذه هي قصة الدنيا التي تعطى مرة واحدة وتأخذ كل شيء مرة واحدة كما يتصور الكثيرون ولكن الحقيقة أن الأخذ والعطاء بيد الله عز وجل وبالتالي فعلينا استيعاب الحكمة الكامنة والمستترة في القصة والتي مفادها أن على الإنسان تقديم استقالة عاجلة من الدنيا قبل أن تطرده هي وتدهسه بأقدامها التي لا ترحم !! ومع أن القصة تدور في جو واقعي وبمفردات الحياة الواقعية إلا أنها مغلفة بالهم الأثير لدى الكاتب وهو: هم الوجود والعدم، والحياة والموت ، والانغماس في الواقع والتمرد عليه .

نقد الذات في الصفعة :- رغم أن هذه القصة " الصفعة " تنتمي إلى قصص الواقع إلا إنها تستحق عنواناً خاصاً بها لتميزها واهتمامها البارز بالآخر فالراوي سرد قصته هو وزوجته الجالسة بجواره في السيارة مع رجل هندي يبيع الفل في الشوارع وعلى مفارق أو مفترق الطرقات ، ومن الواضح أن الرجل الهندي رجل غريب عن البلد فقير شريد محتاج للمال وتأتى المفارقات : في أن الهندي يحمل وردا / جمالا والراوي يرى انه هو الأحق بالورد ! والراوي ينظر للهندي باستعلاء وازدراء على عكس زوجته التي تنظر إليه في عطف ومودة إنسانية وتقدير ورحمة يفرضها الدين والأخلاق الكريمة ولكن الراوي ينظر إلى كل ذلك في اشمئزاز ونفور، وتحت ضغط من زوجته يقبل أن يشترى عقدا من الفل من الهندي وهو يتخيل أن الهندي يتسول ويستجدى المال، لذلك يبدأ الراوي في مساومته حول ثمن عقد الفل ولكن الرجل الغريب الفقير يفجر مفاجأة أو يعطي الراوي " صفعة " حين يرمى له بعقد الفل من زجاج السيارة قائلاً له : إنه لا يريد فلوس ؟! وهذه القصة لا تمثل انتصاراً للآخر الذي هو هنا الرجل المغترب بل هي كذلك انتصار للمرأة إذ إنها تصور كصاحبة عقل راجح، كصاحبة مبادرة لفعل الخير ولتعديل مسار الغرور ولكبح جماح استعلاء الإنسان دون مبرر، ولكنها القصة انتصار كبير للراوي الذي قص علينا كل ذلك في صراحة ودون خجل ، وقدم لنا صورة صادقة لحالته النفسية كما يراها هو لنفسه ولمن حوله، وهى انتصار للراوي في استجابته للمرأة شريكته في الحياة والتي أسماها في القصة بصاحبته وهو اسم وارد في القرآن الكريم للدلالة على الزوجة، وكان بمقدور الرجل أن يخرس صوت صاحبته ولكنه لم يفعل، وكان بإمكان المرأة / الزوجة ألا تعبر عن نفسها وأن تبتلع مشاعرها داخلها بناءً على ما تعلمه من سوء أخلاق زوجها أو عدم أصالة جوهره ولكنها تعلم أن داخله طاهر ونقى، ولهذا عبرت عن نفسها ومشاعرها دون وجل أو خوف. ثم القصة بعد ذلك انتصار للراوي حين يعتبر ما فعله الغريب صفعة على وجهه ثم يرضى بهذا الوصف ويصمت ولا يحاول الرد على هذه الصفعة، إن " الصفعة " قصة جيدة وهى تحتمل الكثير والكثير من النقد والتحليل ولكني أكتفي بهذا القدر حتى لا تطول الكتابة منى .

صوت الأنثى :- " بلل بلا ماء " القصة الوحيدة في المجموعة المروية على لسان أنثى إذن فالراوي في النص امرأة، وهذا انتصار كبير للمرأة لأنه من المعتاد أن تكتب المرأة العربية على لسان رجل، أما غير المعتاد فهو أن يكتب الرجل قصصه على لسان امرأة. ، وهذا الأمر يعكس التطور الذي لحق بالكتابة العربية والاتجاه نحو البلوغ إلى آفاق أرحب من المعرفة والحرية في المجتمعات العربية، الأمر الذي ينعكس بدوره على الإبداع والكتابة! والراوي/الأنثى يحكى قصة مجموعة من النسوة يردن عبور الشارع أو الطريق ولكن يقف أمامهن رجل لايبرح مكانه وينظر باتجاههن، وينجح الكاتب من خلال الراوي / الأنثى في تصوير مشاعر وانفعالات وردود أفعال النسوة حول هذا الموقف، فهناك من ترى العبور، وهناك من ترى التوقف حتى يمضى الرجل لحال سبيله، وهناك من ترى التحول إلى طريق أخرى، ويبدأن في تنفيذ المقترح الأخير ولكن الراوية / الأنثى تنظر خلفها نظرة احتقار للرجل لتفاجأ بأنه لا يبصر وينتظر صبياً يقوده ليعبر الطريق. إذن فظاهر القصة فيه انتصار للمرأة لأنها هي التي تروى وتقص الحدث، وفى باطنها انتصار للرجل وكأن الكاتب يقول: إن الرجل مظلوم، ويقع دائماً فريسة للشكوك والظنون والأوهام الكامنة في عقل المرأة والدليل على ذلك ما روته وسردته الأنثى، والكاتب في سبيل دفاعه عن الرجل يؤكد على المثل القائل: " والحق ما شهدت به الأعداء " والأعداء في هذه القصة هن النسوة رغم أن واحدة منهن أجلسها الكاتب مكانه وجعلها تسرد وتروى وتقص وبهذه القصة تنتهي القصص التي تنتمي إلى قصص الواقع وأعنى بقصص الواقع القصص التي تعتمد على مفردات الحياة المعاشة والأحداث المشاهدة في واقعنا وحياتنا ولا أقصد به مذهب الواقعية فهذا له حكاية أخرى غير مرادة ولا مقصودة في قراءتي للمجموعة " بعث في خلايا مستقيلة " للأديب عبد الله النصر .

الموت:- وأما القصص التي تنتمي إلى محور الموت فهي أربع قصص تتخذ من الموت عنواناً وزاوية للطرح وموضوعاً داخل النص وهذه القصص هي:- "رقصة الموت وأخيراً احترقت التجاعيد وكان الموت مطلبا الموت بعامل التعرية " ورقصة الموت " حالة من التأمل الفلسفي العميق حول رؤية الحياة والموت من خلال تصوير أنثى / امرأة / سمكة على شاطئ البحر، وهى ترقص رقصة الموت ويبين الراوي العليم أن حياتها معناه موته، وكأن هذه الأنثى ليست مجرد سمكة وليست مجرد عروسة في البحر بل هي اختزال للدنيا كلها والتي لا تستمر ولا تبقى إلا على جثث أبنائها الأغبياء أو المخدوعين الذين يموتون من أجلها وفى سبيلها.!! والراوي الغائب يشفق على السمكة فيجعل الذات المروى عنها تعيد السمكة إلى الماء في اللحظات الأخيرة إنقاذاً لها من الموت! وتواصل قصة " وكان الموت مطلباً" طرح نفس إشكالية الموت والحياة ففيها حوار هادى حزين فلسفي تشاؤمي لا يتخلى عن الأمل، ومتفائل مشحون بالسواد، إنه حوار الذات لذلتها، وليس غيره الكاتب الذي يستطيع أن يقسم ذاته إلى ذاتيين يسألها وتجيبه، وتسأله ويجيبها، ويضحك وتبكي، وتبكي ويضحك، ويحيا وتموت، وتموت ويحيا، وينامان معاً وكذلك يبعثان أو يستيقظان: " ساذجة أنت غربية الأطوار، أسلاكنا منفكة بأوهام تصدح في الغسق هل ستبقين كما أنت؟ تجئيين وتصدين وتروحين أية عذوبة من وراء هذا الشباك تأملين، وهذه القيود المملوءة بالصراخ، وهذه الأوراق المتشظية وقطع القش المتناثرة بيننا وبقع الزيت الملتصقة على أسطح محركنا ؟ من يشترى هذه النيران بحسناته ؟ من يقطع هذه الرؤوس كي تتساوى؟! " ولنقرأ أيضاً هذا المقطع : " كلانا افترقنا الإثم والذنب ؟ - ومن أنت أنا أنت ومن أنا ؟ - أنت أنا ومن نحن إذن ؟ ونحن صاحبا هذا الرداء الأزلي القديم.! " والبعد الفلسفي والانشغال بقضايا الوجود وسبر أغوار النفس البشرية واضح جداً في هذه القصة، ويحاول الكاتب معالجة رؤية الموت بزاوية جديدة تقترب من واقعنا المعاش مستخدماً حدثاً كثير الوقوع في حياتنا وهو العلاقة بين الزوج وزوجته وذلك في قصة " الموت بعامل التعرية " فالقصة تحكى من خلال لغة شاعرة ذلك الموضوع التقليدي حول الرجل / الزوج / المثقف، والمرأة / الزوجة / الضد.. !! بمعنى أنها ضد الثقافة وضد المعرفة فلا قيمة للكتاب عندها وإنما القيمة عندها للمال أو للأزياء أو لشئون البيت كالأكل مثلاً أو لتوافه الأشياء، وينتقل الكاتب في القصة لتصوير الحالة النفسية الفلسفية التي تشغله عن الوجود والعدم فيصف " الراوي / الزوج بأنه زوج ميت وتالف وانتهت صلاحيته رغم وجوده وحياته وحركته المستمرة في البيت والعمل إنه الموت معنى والفقد روحاً، إنها نفس حالة الشخص الذي يتأمل الحياة من على كرسيه والذي يصور على أساس انه معاق، إنها إعاقة في الذهن وتوقف في الخلايا وركود في الدماغ وسأتعرض لقصة هذا الرجل المعاق في القسم الخاص بقصص الحلم وتحديداً في قصة " بناء على واجهة السقوط " وهذا المعنى الموت روحاً  موجود في قصة الموت بعامل التعرية " ولنقرأ هذا المقطع من القصة " يا امرأة زوجك مات، انتهى تاريخ صلاحيته، أمسى في عداد التالفين، هذه المومياء التي  أمامك كانت تدعى زوجك وليس هو " وواضح أن الراوي يريد أن يشير إلى أن الزوجة هي التي أوصلته إلى هذه الحالة من الموت والعجز والاستسلام لذا فالكاتب يجعل الزوج يترك زوجته للنار تلتهمها في قصه " وأخيراً احترقت التجاعيد " وهذه القصة يمكن أن تصنف مع قصص الموت أو قصص الواقع ولكنه واقع على افتراض حلمي إذ يصعب في الواقع الفعلي أن يترك الرجل زوجته مهما بلغ من سوءها حتى تأكلها النار ويفضل عليها قطعة أثاث ثمينة؟! نعم لو كان سوءها لا يصلحه إلا النار فإن الرجل في هذه الحالة لن ينتظر حتى يحترق البيت قضاء وقدراً بل سيكون هو الذي يقوم بإحراقها، إنه حلم اليقظة يصور حالة من حالات الأسرة غير السعيدة والتي تنتظر معجزة حتى تحل مشاكلها حتى لو كانت هذه المعجزة عبارة عن لص يطلق النار في البيت؟! وبهذه القصة تنتهي القصص الأربع التي تجعل الموت مركزاً لها ولا يعنى هذا إن فكرة الموت لا وجود لها في باقي القصص ولا أن فكرتي الواقع والحلم ليسا موجودين في هذه القصص الأربع بل الأمر كما قلت في البداية: انه تقسيم تقريبي و تجزيئ مجازى لتقريب النصوص إلى عقل ووجدان القارئ.

الحلم: لعل النفس البشرية بئر عميقة الأغوار لا يمكن سبر غورها أو معرفة حقيقة سرها بسهولة، وفى القصص التي تنتمي إلى الحلم يحاول الأديب / عبد الله النصر الولوج إلى داخل النفس البشرية محاولاً استكشاف أمرها والإطلاع على بعض أسرارها وهو في طريقه لتحقيق هذه الغاية أنتج عدداً من النصوص هو سماها قصصاً !! صحيح إن بها من القصة الشيء الكثير ولكن فيها من الشعر قدراً لا يستهان به كذلك وأحياناً تتحول الكتابة إلى كتابة البوح والتأمل والإغراق في منولوج داخلي أو حوار الذات مع ذاتها مع استفادتها من الواقع وعالم اليقظة والحس وإن كان الجانب الغالب في هذه القصص هو عالم المعنى وفضاء المثال وعبق الحلم وعبير الانفصال عن الواقع وأريج الالتحام بالمجهول وأول قصه تقابلنا في المجموعة تنتمي لهذا المحور محور الحلم قصة " ذات العباءة البيضاء " وهى حالة من التأمل الشعري بلغة مكثفة وجمل قصيرة تصويرية تسبح في عوالم الخيال المرئية من خلال الذات الراوية " في الشاطئ الليلي تأملت، ما أروع الشمس في عين القمر!! بل ما أروعها في الليل على سطح البحر تلمع الحلكة في قلبي، ، ليس من أحد هناك سوى الأشواق تراودني. إنني أحلم كما تحلم الشمس أن تكون باردة فلا يتهيأ لها.. وأحياناً لم تكن أحلامي كأحلام الليل حينما يريد أن يصبح نهارا فيكون له ذلك " فهذا الجزء المأخوذ من القصة كاف للدلالة على الحالة الشعرية للنص ولذلك يصعب اختزال معنى النص أو تحديده وحتى الحوار الموجود داخل النص والموضوع ليوحي بوجود شخوص وبالجو القصصي ولكن الحقيقة انه حوار خادع إنه حوار نابع من الذات الراوية أو الحالمة أما قصة " انتجاع على ضفاف القوارير " فهي حالة من القص هادئة رقيقة حالمة متوترة، تصور فقط لحظة زمنية تم تسكينها وإيقافها حتى تخرج لنا هذه الحالة / هذا النص، إنها لحظة التقاء كف بكف / سلام حبيبين، إنها مشاعر لا يمكن أن تخرج إلا من ذات عفيفة مشرقة لهذا يكون احتراقها عبر الورق كبيراً، وقلقها لحظة تسجيلها للمشهد عظيماً لنقرأ هذا المقطع من القصة " وقفت قرأت كلماتي في شفق عيوني، وفى ابتسامة ثغري فسجدت عيونها والأعضاء في خجل،………، فنهضت لجلالها قمراً طغى نوره على نور نجمته حينما بادلتها التحية بأفضل منها، اقتربت منها بقلب مأسور وبعينين حانيتين منجذبتين أتخطى أثاث البهو قطعه قطعه، أدفع بكفي الوالهتين الرطبتين مصافحا فتتقدم هي كذلك آتية بكفها مفعماً في هدأته ، خجولاً في حركته كورده تتفتح للربيع ببطء ، فيلتقي الكفان وتصطك لحومها وتطرق عيون حورائي وتسبل جفونها !! . الخ " وهذه الحالة القصصية تؤكد الطاقة الكبيرة داخل الكاتب وإمكانياته التي لو أحسن توظيفها فإنها ستكون كبيرة في المستقبل بشرط أن يعطى الكاتب لنفسه مساحة أكبر من الحرية ! ونهاية هذه القصة مع نهايات أخرى تحتاج إلى إعادة نظر أو إعادة قراءة فأنا يخيل لي أنها يجب أن تحذف !! ويخيل لي أنها كتبت بغرض إنهاء النص وإغلاقه، أليس الأفضل أن يبقى النص مفتوحاً؟! فإذا انتقلنا لقراءة قصة " بناء على واجهة السقوط " سنرى أنها قصة / أنشودة عن أزمة الإنسان المعاصر وإحساسه بالضياع والتلاشي والعجز في ظل مفردات الحياة المعاصرة وهى قصة فيها من التأمل والبوح أكثر مما فيها من الحكي والسرد، وإن كانت هذه القصة تعد مفتاحاً لشرح رموز أو دوال عنوان المجموعة" بعث في خلايا مستقيلة" فقد ورد لفظ الخلايا صفة للجسد كله مرة وصفة للدماغ مرة أخرى" تلك الخلايا الكسولة اشرأبت أعناقها لتقف على ذكرياتها النابضة" وفى هذه القصة يحاور الكاتب الكائنات وهى تتحاور معه، وهى لا تتخلى عن الأمل فإذا كان جسد الإنسان عبارة عن بناء على واجهة السقوط فإن روح الإنسان ومعناه بناء على واجهة الخلود والبقاء . وواضح من عنوان قصة " امرأة تعانق الألق" أنها تصور امرأة/ حلماً لا وجود لها في واقع الراوي، ولكنها تشكل حالة الاكتمال بالنسبة له، فهي امرأة متعاونة مع زوجها ومتفاهمة ومقدرة له ولجهوده، ولها عقلها وتفكيرها الخاص وقضاياها التي يقدرها الراوي فهي مهتمة بقضية فلسطين وقضايا الأطفال والمرأة في بيئتها، ولها مشاركتها الفاعلة والفعالة في مجتمعها الذي تعيش فيه بالمشاركة مع الراوي، ولكن الراوي يقتل هذه المرأة / الحلم في قصته رغم أن المرأة زوجته بل هي حلمة الذي يسعى إليه ولنا أن نسأل : لماذا مارس الراوي جريمة وأد المرأة / الحلم على الورق؟ وفى تصوري أن هذا الوأد هو شكل من أشكال التمرد ورفض الواقع، ومحاولة الثورة على ما يتصوره الراوي ركوداً فكرياً وجموداً عقلياً ووقوفاً عند حالة معينة ثابتة، وعدم السعي إلى تحقيق صورة حالمة موجودة في ذهن الراوي بما يؤكد لديه أن خلايا العقل مستقيلة ومنفصلة عن واقعها وبالتالي فهي بحاجة ماسة إلى حالة بعث ويقظة ونهضة حتى تعود إلى العمل والفعل والحيلة. وكذلك فإن قصة " شارب الوحل " تنتمي إلى قصص الحلم وهى من القصص المعتمدة على التصوير الشعري واللغة الحالمة المكثفة، وهى تعتمد كذلك على المونولوج الداخلي وحوار الذات مع ذاتها وطرح إشكاليات الواقع في قالب فلسفي تأملي، والحوارات الموجودة داخل القصة هي حوارات افتراضية، واعتباري لهذا النص قصة هو بحسب رغبة الكاتب، إلا فإن النص فيه من القص والسرد شيء يسير، وفيه من التأمل والمقال شيء يسير، وفيه من الشعر والحلم الكثير وبالتالي فهو نص عصى على التصنيف فهل يدخل ضمن ما اصطلح على تسميته بالنصوص العابرة للنوعية؟! ويجب ملاحظة أن هناك نصوصاً أخرى لعبد الله النصر تشارك هذا النص في هذه الحالة وتلك الرؤية وذلك الطرح مثل نص " أبجديات آدمي " ونص" الفاصلة" كما يتميز نص" شارب الوحل" للنصر بميزة خاصة به وهى التضمين فهناك تضمينان من النثر وتضمين آخر من الشعر وانتقاد صريح للتراث مع الاعتراف بأهمية العقول التي أنتجته" وبوله مجنون أشعل الأنوار محاولاً العبث في تلك المتون المكتظة بنتاجات العقول" وبهذه القصة نكون قد انتهينا من قراءة قصص محور الحلم وأؤكد أن هذا التقسيم أعنى تقسيم المجموعة إلى محاور الواقع والموت والحلم هو تقسيم مجازى وتقريبي وليس تقسيماً حاداً وتعسفيا،ً فبعض القصص يمكن أن يندرج تحت هذه الأقسام جميعاً والذي دفعني لذلك محاولة جذب القارىء للنصوص وتقريب النصوص للقارئ.

 

نجاحات وارتباكات :-

لعل اللغة الشعرية المكثفة والقدرة على التصوير بالكلمة واللعب بها والحساسية الشديدة في استعمالها أهم ما يميز هذه المجموعة القصصية الأولى للأديب/ عبدالله النصر وهو ما يجعلني أتنبأ أن جزءاً هاماً وأساسياً من مشروع النصر الأدبي سوف يكون معتمد أعلى تقنيات اللغة، والقدرة على تشكيلها جمالياً لإنتاج إبداع أكثر جمالاً وأكثر دهشة، وقد مرت بنا أمثلة للجمل الشعرية المستخدمة في النصوص وكذلك الجمل القصيرة السريعة المتلاحقة التصويرية أو أمثلة لجمل مكثفة ومن هذه الأمثلة ما جاء قصة " الموت بعامل التعرية " فالكاتب أو الراوي يصور حالته النفسية أصدق تصوير حيث جاءته زوجته بكوب الشاي وبكتاب تلوث غلافه بسبب اندلاق الشاي عليه يقول الكاتب الراوي: ( أكل القهر زوايا فؤادي حتى ذهب بآخر قطرة من دمائه ) نهضت مشدوها مفتقدا صوابي) أو قوله: (ومن عيني تطاير الشرر وفى داخلي اختراقات ثائرة، أحرقت كل وجداني . ) والأمثلة كثيرة جداً للتدليل على رسوخ اللغة الشاعرة في النصوص وهى ظاهرة لكل من يقرأ النصوص بل إن قراءة عناوين النصوص  لهو كاف للدلالة  على وجود البناء الشعري فيها لوضوح الإيقاع وبروزه مثل: بلل بلا ماء استقالة عاجلة أو للجوئها للجو الرومانتيكي الحالم مثل: عزوف ذات العباءة البيضاء انتجاع على ضفاف القوارير امرأة تعانق الألق.  ولمحاولة صنع دهشة ومفارقة وحالة حركة وانفعال في العنوان نفسه مثل : جمر يتنفس النار بناء على واجهة السقوط رقصة الموت الصفعة وأخيراً احترقت التجاعيد ، بل إن الانغماس في اللغة أحياناً يسرق النص من القصة إلى دائرة الكتابة التي يصعب تحديدها مثل نص الفاصلة وأبجديات أدمى وفى هذا السياق من الأهمية بمكان تنبيه الكاتب إلى أهمية الفصل بين الأنواع الأدبية المختلفة فالقصة شيء وكتابة البوح والحلم شيء ثان وكتابة الشعر شيء ثالث والكتابة عن فكرة مجردة شيء رابع وهكذا لأني أحس أن الكاتب يغرق في ذاته أحياناً ويخرج لنا نصوصاً يصعب تحديد هويتها،  اللهم إلا إذا كان الكاتب قاصداً  لهذه النوعية من الكتابة أعنى ما اصطلح على تسميته بالكتابة العابرة للنوعية والتي تختلط  فيها الأنواع والأجناس لتخرج لنا كتابة جديدة ولكنها منسجمة مع القارىء. ورغم كل النجاحات الإبداعية السابقة للنص إلا إن كتابته لم تخل من ارتباكات أو جزها فيما يلي:-

1-   وجود أخطاء لغوية في بعض القصص مثل قوله " وبه أنف مهمل احتلبته سنينه الخمسون " صـ 5 والصواب: سنونه، ومثل " نعلها الذي لم ترتديه" صـ14 والصواب لم ترتده ومثل " بإعادتها إلى البحر مع الأسماك الأخريات " صـ31 والصواب : الأسماك الأخرى ومثل ( أترجل أفكار متجددة ) صـ57 والصواب : أترجل أفكاراً متجددة الخ وأعلم بعضها يمكن أن يكون نتيجة أخطاء في الطباعة .

2- استخدام ألفاظ تراثية وموغلة في القدم مثل ( شددت حيازيمي للرحيل ) إلا إذا كانت الحيازيم متداولة ومعروفة في المجتمع السعودي، وكذلك كثيراً ما يستخدم الكاتب مفردات صحيحة  مع وجود غيرها أسهل وأقرب للناس منها مثل استخدامه لمفردة الفم بصيغتها التابعة للأسماء الستة (فوك رفعاً- وفاك نصباً وفيك خفضاً أليس من الآهل لو استخدم الكاتب مفردة الفم فيقول : فمك أو فمه أو فمها بدلاً من فوك فوه- فوها " ؟ ! وأحياناً تطول الجملة بسبب الاعتماد على إعمال المصدر أو اسم الفاعل أو اسم المفعول وبالطبع لابد من إعطاء القاعدة حقها ولكن أقصد انه أحياناً يكون من الأفضل حل الجملة وفك الاشتباك بين التراكيب حتى يكون المعنى قريباً من القارىء.

3-  هناك قلق وعدم استقرار على وضعية الحوار داخل قصص النصر فالحوار في الغالب بالفصحى ولكنه أحياناً يكون مختلطاً بين الفصحى واللهجة السعودية الدارجة بل أحياناً تكون الشخصية أمية لا تقرأ ولا تكتب وتتكلم بالفصحى أو يقول لها زوجها : بلى ؟ ثم يشكو بعد ذلك من عدم فهمها له!!

4-  أحياناً يحاول الكاتب أن يشرد بعض المفردات فيقول: الهاتف / الموبايل / المحمول أو المنضدة/ الترابيزة /أو الحانوت / دكان البقالة وأرى أنه غير مضطر لذلك أبدأ فليكتب ما شاء من مفردات وعلى القارىء أن يكتشف المعنى بنفسه إذا لم يكن عارفاً من البداية. وأنا أؤكد أن كتابتي لهذه الملاحظات نابع من تقديري الكبير لهذه الموهبة الأدبية الصادقة والتي أتمنى: أن تعطى لنفسها مساحة أكبر من الحرية وإنتاجا إبداعياً غزيرا، و أتمنى للأديب الشاب الموهوب عبد الله النصر مستقبلا واعداً في فضاء الإبداع العربي .    

 

 

وشكرا.

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


القائمة البريدية
قائمتي البريدية
الإسم الكامل:
البريد الإلكتروني:
اشترك الآن
إلغاء الإشتراك