الـــــــوجـــــــه الآخــــــــــــــــــر
موقع شخصي تعريفي للكاتب القاص/ عبــدالله النصـــر

القرش

فوق النخيل المتسخة بالغبار، الشمس تسحب أذيالها بهدوء.. بهـدوء (صالح ) ينسل من نصبه.. اثنتا عشر ساعة التحفت بالجور.. بالجور قد شرب عرقه.. شرب العرق بقرش واحد.. قرش واحد قد احتل مكاناً في المحفظة.. المحفظة المهترئة احتضنت القرش بقوة، ثم رقدت في جيب صالح.. الجيب المؤطر بالإبر..

 

 (صالح ) يفتح محفظته.. لا تفتح بوجهيها وأربعة الجيوب.. ترتمي ظامئة في قلبه.. جففت سحنته السمـراء.. القرش قد ضاع ( ربما الزقاق أحتضنه!!.. لا.. لا لم يحتضنه الزقاق.. بل الرمل المملح قد أخفاه !! .. لكن الرمل لم يره أيضاً.. لسان المحفظة مدلوع.. الوجه ممتقع.. الثوب تمزقه المحفظة.. خروج.. دخول.. ثوب أكل الغبار.. الغبار قد أكل الأثواب منذ عشرين سنة..

 

قـريته الطينية، وهي تحتضن النخيل.. نخيل محاط بالبرسيم.. الزقاق والرمل، هاجدان في لوعة.. بالصمت يحتكمان القضاة ( لم نسرق.. لم نسرق.. لم نسرق..).. خواء في البطن.. يشكو أواراً يَـتَّـهم بالسرقة محفظة بها عدة جيوب.. القرش قد ضاع فيها هنا.. بل ضاع هناك.. الخباز يطالب (صالح ) بالقرش.. بقيمة رغيفه الواحد.. لا يقبل التوسل.. بل قرش.. بل قرش.. بل قرش.

 

جور النهار قد عاد.. عاد بنصب ( صالح ) المعهود.. بجسمه المنهار.. ببطنه الخاوي بألمه.. وبألم يسرق الخبز.. والخباز يحمل أقدامه نحو الخبز المسروق.. نحو صاحب القرش المسروق.. بلله لكمات بقيمة الخبـز.. الخبز قيمته قرشاً.. القرش الذي في المحفظـة، الذي لم يسرقه الجيب.. ولا الزقاق.. ولا الرمل.. ولا الشمـس.. ولا الأيام.. ولا الناس..

 

الأعضاء بعد تكسرها على الرمل المملح في القرية.. دمغت معها الخبز.. فأبكت البطن.. المحفظة التي أفتقدها (صالح ) أخفاها الزقاق في خاصرته.. خاصرته التي سرق منها المحفظة سارق الليل.. السارق الذي ضغطها.. عصرها.. كسرها.. مزقها بأصابع الضمأ في الليل الساطي بالارتعاش.. بالخوف.. بالجور.. وبالجور قد نطقت المحفظة لدى السارق بـ: ( هاك القرش.. هاك القرش أيها الرمل!!.. لا السارق.. لا الخباز.. لا صالح..).. 

نشرت في جريدة اليوم السعودية العدد 10437 الجمعة 27 شوال 1422هـ
 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


القائمة البريدية
قائمتي البريدية
الإسم الكامل:
البريد الإلكتروني:
اشترك الآن
إلغاء الإشتراك