ضمن فعاليات لجنة السرد بالنادي الأدبي بالمنطقة الشرقية إشكالية الأخلاق في الكتابة السردية قدم المحاضرة القاص / عبدالله النصر بكلمته الآتية: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا/ محمد وعلى آله وصحبه المنتجبين .. وبعد. أخواني، أخواتي في الصالة الأخرى.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: فكرة ُ التنازع ِ على كعكة ِ الأدب ِ بين ِ الفن ِّ والأخلاق ِ، قديمة ٌ قدم َ التأريخ، وقد ظل ُّ الأمر ُ مدارَ اختلاف ٍ ومخالفة ٍ.. فتعددت الآراءُ حول هذا الجانب، ولذا تأتي النتيجة إلى أن وظيفة الأدب لم تبرح مسلكين أساسيين تندرج تحتهما آراء متعددة هما: أولاً: أن الأدب غاية في ذاته خلواً من أي وظيفة سوى المتعة والجمال والتسلية وتطهير النفس. ثانياً: أن الأدب له وظيفة يسعى إلى تحقيقها، وهو بذلك يلتقي مع الدين والتربية وعلم الأخلاق. الجانب الأول: من النقاد ما لم يتفق مع كون الأدب صاحب رسالة أخلاقية، فحاولوا بكل قوة أن يعزلوا الفن عن الدين، وأن يصوروا العلاقة بينهما على أنها علاقة نفور وتضاد، فتارة يقولون: إن الفن غاية، وإن شعارات الدين والسياسة وغيرهما تفسد الفنون، وتارة أخرى يزعمون أن الأديان قيود والفن حرية وانطلاق، ومرة ثالثة يدَّعون أن الدين عماده الأخلاق، والفن لا يعبأ بهذا الجانب، إذ أن الفنون في نظرهم لا تعبأ بما هو فضيلة أو رذيلة، ولكنها تهتم بكل ما هو جميل في تصوير الخير أو الشر، وفي كل جمال من نوع ما.. كما نأى البعض بالأدب عن الأخلاق، بدعوى أنه ليس من الضروري أن يكون الأديب فذ الخلق. ولا أن يكون الأدب الرائع خاضعاً للقوانين الخلقية. يسير على هذا النهج المذهب الرومانسي حيث ينحو إلى أن أياً كانت طبيعة صاحبها مؤمناً أو ملحداً، فهو إلى فصل الأدب عن الأخلاق.. لكن الوجوديون يفرقون بين الشعر والنثر في الالتزام.. و لذا يقول سارتر: " إننا نستطيع أن ندرك في يسر مدى حمق الذين يتطلبون في فن الشعر أن يكون التزاماً. أما الجانب الثاني من وجهة النظرة الإسلامية تقول: إن أي تيار أدبي لا بد أن يكون ملتزماً بالدين والأخلاق كجزء من العقيدة، وهذا يدعونا إلى الحديث عن المدرسة الإسلامية النقدية التي ترى في الأدب –عموما- واحة رسالية ومنهجاً دعوياً ؛ فالأدب الإسلامي أدب مسئول ؛ والمسئولية الإسلامية التزام نابع من قلب المؤمن وقناعاته؛ التزام تمتد أواصره بكتاب الله ودعوة الإسلام الخالدة.. الإسلام الذي يُعلي القيم الجمالية، ويُعلي من شأنها، ويحيطها بسياج من العفة والنقاء والطهر، ويفتح الباب واسعاً أمام الإبداعات الفنية والأدبية الخلاقة، ويزيد "الكلمة الجميلة" شرفاً حينما يكلفها بأعظم رسالة، وأسمى مهمة، وأرقى دعوة نزل بها الروح الأمين. ورسالة الأدب الإسلامي، جزء من رسالة الإسلام الشاملة، ووسيلة من وسائله الفعالة. ولهذا يذهب الناقد حسين الهنداوي معززاً هذا المذهب بقوله (وعلاقة الجمال بالأخلاق والأدب علاقة متداخلة خاصة، وأن الأخلاق هي جزء من القضية الجمالية التي يسعى لتحقيقها الفرد في بحثه المستمر والمضني عن ديمومة السعادة. فالأدب، والأخلاق، والجمال عناصر متعاضدة في بلورة مفهوم الحياة كنقطة التقاء بين الزمن والحركة؛ وإنه لا وجود لأي مفهوم خارج نطاق الإلوهية، وأن الوجود المطلق هو حقيقة النور المنبعث من خلال حركة دائمة تستمد وجودها من الله. إذ أن الأدب بطبيعته وأهدافه ووظيفته بَحَثَ عن الأخلاق من خلال الجمال، كما وأن الأخلاق تريد أن تبرز بصور جميلة من خلال أشكال معينة أحدها الأدب). وقديما ذكر أفلاطون قائلاً: ( إن للشعر رسالة سامية إن لم يحققها فهو شعر فاسد ) كما صرح:"بأن فن الشعر إذا كان ممتعا وسار فإن خطورته تكمن فيما يبعثه في نفوس الآخرين من اللذة والطرب ؛ لأنه قد يدفعهم إلى الرضا عما فيه ، مما قد يتنافى مع الحقيقة أو مع الفضيلة". وفي النقد العربي القديم طائفة كبيرة من أعلام الشعراء والنقاد الذين صانوا أدبهم وشعرهم عن الكشف والابتذال وصاروا نصراء للفضيلة ومكارم الأخلاق فقال قائلهم : أحبُ مكارمَ الأخلاق جهدي وأكرهُ أن أعيبَ وأن أعابا وإذا كان الاشتراكيون يرون أن الالتزام مطلوب في كل ساحات العمل الإبداعي ، كرأي داعم لرأي الإسلام، فإن طوائف كبيرة تذهب إلى أن قيمة الفن توجد في ممارستنا المباشرة له، وليس فيما يقال عن تأثيره في السلوك، والفن _كما يقولون _ يختلف عن الحياة، ولكن الموقف الجمالي يؤكد ذلك الاختلاف إلى حد القول: إن الفن لا علاقة له بالحياة، ولذلك فهو لا يحمل مضامين أخلاقية، فضلاً عن أن طائفة ينتمون إلى هذا المذهب أطلق عليهم "أصحاب النزعة الأخلاقية" يرون أن الأدب قد يكون ذا مغزى أخلاقي، دون أن يكون تلقيناً بشكل واضح ومباشر، أي دون الإعلان عن مغزى على طريقة الموعظة أو الحكاية التحذيرية، أما نقاد المدرسة الكلاسيكيَّة يرونَ أنَّ هدف الفنون هو الإمتاع لكن في حدود القواعد المقرَّرة ؛ وأُوْلى هذه القواعد ما يقرِّره (كورني) (من أنَّه لا يمكننا أن نُمَتع أكبر عددٍ من الناس إلاَّ إذا جعلنا عملنا الفني منطوياً على هدفٍ أخلاقي).. ومن الملاحظ تعدد الآراء واختلافها ، ومحاولة ترجيح كفة على الأخرى.. إلى أن تتضاد الجمالية مع مفهوم الأدب الإسلامي عند الغلاة من أصحابها، واقترابها منه لدى الجماليين "أصحاب النزعة الأخلاقية" الذين لا يشعرون بتناقض بين القيم الجمالية ومحتواها الفكري أو العقائدي، وقيام الأدب برسالة هادفة، لتحقيق القيم الإنسانية العليا التي تحقق السعادة للفرد والمجتمع، وتهب الحياة قوة وفاعلية، وتمدها بأسباب النجاح، وتؤكد قيم الفضيلة والحق والخير. وأن الأدب أحد عناصر التغير في السلوك الفردي والاجتماعي في البيئات الإنسانية. فلا أدب بلا جمال، ولا أخلاق بلا أدب، ولا جمال بلا أخلاق. وعليه لم تهداً أنهار البحث الأدبي في هذا الصدد تجري باحثة عن وادٍ أكثر أمناً تستقر فيه، لذا نحن الآن بصدد دراسة جديدة يقدمها لنا ضيفنا الكريم الماثل أمامكم، تتضمن الإجابة على الأسئلة التالية: هل الفن وسيلة للرقي بالأخلاق؟ وهل يصح اعتبار الأخلاق مقياسا لنجاح العمل الفني؟ وما هي المعايير المتاحة في هذا المجال. ما هي الصلة بين الفن والأخلاق؟ وهل الفنان واعظ اجتماعي أو زعيم سياسي أو مصلح اقتصادي؟ وهل رسالة الفن مرتبطة بأخلاقيات المجتمع؟ ومن هو الذي يحكم على نص (ما) بالأخلاقية أو اللا أخلاقية؟ وما هي مواصفات هذا النص الأخلاقي؟.. أهي شيء مقتبس من سلوك الفنان؟.. أو مأخوذة من عبارات النص وكلماته وحروفه؟.. أم هي تأثيرات هذا النص على المتلقي؟ .. أو أنها أخلاقية تقاس بدرجة وعي المتلقي وثقافته وعلمه بمقاصد الفنان؟ أيها الأخوة والأخوات الحضور الكرام: كل هذه الأسئلة وإجاباتها مع تخصيص دور أكبر للحديث عن فن السرد (القصة والرواية)، سنتركه لضيفنا يقدمه لنا بالنحو الذي اعتاد عليه من سلاسة ووضوح وبساطة، لكن دعوني قبل هذا، أقرأ لكم سيرتِهِ الذاتية : الأسم: عبدالواحد اليحيائي § ولد في مدينة الخبر وتعلم في مدارسها الابتدائية والمتوسطة والثانوية. § تخرج من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن – كلية الإدارة الصناعية. § عمل ولا يزال في حقل الموارد البشرية في القطاعين العام والخاص. § له العديد من المقالات في مجالات مختلفة بين الفن والأدب والإدارة. § نشرت له عدد من الصحف والمجلات المحلية والمواقع الثقافية والحوارية في الشبكة العنكبوتية (الانترنت) عدد كبير من المقالات والقصص والقراءات الأدبية والنقدية. § ألقى عدد من المحاضرات عن القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا، وساهم في تقديم مجموعة من القراءات لعدد من الأعمال الروائية والقصصية الجديدة عبر النادي الأدبي بمدينة الرياض. § عضو في جماعة السرد بنادي الرياض الأدبي. § المشرف على منتدى الفكر والفلسفة في منتدى جسد الثقافة حاليا. § عضو مؤسس لعدد من المنتديات الثقافية في شبكة (الانترنت), § شارك في عدد من الأمسيات الثقافية والأدبية. § له كتاب بعنوان ( مراجعات الماشي). وأخيراً: له تحت الطبع: مجموعة قصصية، والمحاورات (أحاديث بين الفن والنقد). ثم بد الأستاذ/ عبدالواحد اليحيائي محاضرته التالية.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأخيرا قدمت الأستاذة/ ألباب الخليفة .. مداخلتها التالية: هل ثمة علاقة بين الكتابة الأدبية والأخلاق ...؟ خصومة مثل عدوّين متنافرين في ساحة حرب !؟ ، أو صداقة كالتي بين الفلاّح وأرضه يحرثان معاً ، يتذوّقان لذّة التحام الواحد بالآخر فيأتي المحصول منتشياً بعطائه الوفير ... هل من مساحة فاصلة بين من يرفل في فضاءات جمالية ، محلّقاً على أجنحة خيالٍ خلاّق لا تحدّه حدود، ولا يقهر عنفوانه متجبّرٌ كالزمن ...! وبين من يرتدي ثوب ألفة وعفّة ، ساكناً في تراتيل الفضيلة بورعٍ وبهاء ... !!؟ يتفق الجميع على أهمية السؤال محرَّضاً فيك فراشة الشك الرابضة ، ومحرِّكاً لك لتتبعها أينما حطّت ، ففي النهاية يبزغ نور تأتيه بلهفتك ولهاثك لتغادره حاملاً بوصلة اليقين ... وهناك من يدفع حياته وآماله ثمناً لها ... كما حدث لـِ " هاملت " وهو يسأل متعذِّباً ... " أكون أو لا أكون " ، أو ما حدث لـ ِ "صاحب موسى " مصرِّاً على معرفة "ما لم يستطع عليه صبرا "...و أحياناً أخرى يقودك السؤال إلى صنع نظرية ... رغم هذا لا يأتي تساؤلي من عالمٍ أو فيلسوفٍ أو باحثٍ في دهاليز الكتب وأقبيتها وأسرارها ... وإنما يجيء بسيطاً بسـاطة المدمن لفعل القراءة مزّوداً بالحساسية والذوق ليس أكثر ... ومن قارئة شغفها " بالداسار " في " رحلته " منقِّباً عن الاسم المائة لله تعالى معتقداً بوجوده الذي سيحمل الخلاص لكل العالم المليء بالشرور والآثام و المساوئ ... وسكنتها لحظات قلقٍ حقيقي من " قنديل أم هاشم " يتجاذب أطرافه العلم والإيمان والفطرة والخرافة ... وداعبها " الأمير الصغير " بطفولته ونقائه حتى أحبّت من خلال معشوقته الوردة كل العالم ... وغيرها الكثير من الكتابة الأدبية التي حفرت عميقاً في أسمى احتياجات الإنسان وراحت تنشدُ معه حرّيته وعدالته وحقوقه المستباحة ، في أرقّ ما يعتمل بداخله من أشواق وتقلّبات بين وصلٍ وهجران ، و وعن تلك الحالات التي نحسُّ بها ولا نقدر على التعبير عنها ، إنما تصوّرها رهافة الأديب ... الذي يتقن فنّ الإصغاء حتى للحجر ... فيخلق من الموت حياة ، ومن الصمت ألحاناً ، ومن ذاته معبراً لشجون الآخرين وآلامهم ... لهذا تخلّد الأعمال الأدبية وتقرأ حتى لو طوتها آلاف السنوات ؛ ولهذا تحديداً يستمدُّ الأدب مكانته ورقيّه ، و لا يختلف في هذا المعنى سائر الأقوام والأمم منذ ملحمة جلجامش التائق لجواب عن سؤال الخلود وحتى عصرنا الحالي ... يُضافُ إلى عمق المضمون واستيعابه التجربة الإنسانية الذاتية و غيرها ، الاعتناء حدّ التألق بالشكل أو باللغة أو بالألفاظ ويعَّدُ الجمال بعداً مهمّاً في سياق ونسيج الرداء الأدبي ، أدّى الارتكاز عليه وحده للوقوع في فخاخ نظرية "الفنّ للفنّ " حيث سلبت تلك النظرية الأدب قيمه و " أخلاقياته " إن جاز التعبير ؛ لتكرّسه للجمال ولما ينبثق عنه من متعة ولذّة تأسر النفس وتخاطب الحواس حتى يطالعنا على سبيل المثال في فن النحت في عصر النهضة الأوروبية تمثال " داوود " وهو يجسِّد شاباً جميلاً متناسقاً وطبعاً عارياً ... إذن الاهتمام بالجسد وتسليط الضوء على مفاتنه وعلى أفعاله وعلاقاته يعتبر خاصية جمالية تناولتها الروايات المحلية على وجه الخصوص الصادرة حديثاً فوصفت الجسد بألفاظ صريحة لم تألفها أخلاقنا من قبل وركزّت على فضائحه وعلاقاته الشرعية وغير الشرعية ، السويّة وغير السويّة وأصبحت هذه اللغة الجنسية هي محور تلك الروايات والسبب الرئيسي في انتشارها ورواجها ربما ... و لو قرأها رجل الدين لوضعها في مصاف الرذيلة ... و إن لم تسلم من الرقابة والمنع كما حصل مع دواوين " نزار قباني " قديماً ، لأن الأشياء صارت تفرض نفسها اليوم عبر نوافذ القرية المفتوحة والمشرعة أبداً ... رغم افتقارها لمسمّى الرواية إما من جهة اللغة فنجدها بسيطة وعامية تقترب من "السوالف والدردشة " أو مجرد سرد بلا مضمون ولا حبكة روائية وهكذا ... لدرجة يبدو معها القاريء المتذوّق لا يستسيغ مواصلة قراءتها قبل وصوله لمنتصف الطريق ... رغم ذلك فإن طبعاتها تنفذ ... و هناك من يتهافت عليها ... لماذا ؟ ذات مرّة تردّد اسم روائي مشهور على صفحات الجرائد والمجلات والكتب والانترنت وتحدّث الكثير عن كتاباته ورواياته بحفاوة حتى قررت القراءة له فأمسكت بين يديّ رائعته " الشطار " كما يلقبّها البعض ، أتحدّث هنا عن الروائي محمد شكري ... لكني لم أجد فيها سوى حارات الساقطات ورائحة الخمّارات وتساءلت بعدها مليّاً ، أين الإبداع في كتابة كهذه ... ؟؟؟ في اعتقادي نشأة الكبت التي أحكمتها العادات والتقاليد ونشأ عليها الإنسان خاصّة في بقعتنا المحليّة أثّرت في تكوينه النفسي فلمّا كبر أصبح تدميرياً واتجّه من المحافظة الشديدة أو التزمت إلى التحرر والانفلات ضيقاً واستخفافاً بتلك التربية ... وهو ما يحاول الأديب التعبير عنه بشهية مفتوحة وشراهة مزدراة بعد وقوفه طويلاً مكتوف الأيدي ، معصوب العينين أمام وليمة كبيرة ... وخلق جمهور متأثر وجائع مثله تلّهف على اقتناء وقراءة الروايات ال ؛ ولأن مجتمعنا ما زالت ترهقه طبائع القبيلة حتى في عصر " الموبايل " و "الانترنت " تناول هذه الكتابات بكثير من التدقيق والتعليق والمجابهات بما لا يتناسب وقيمتها الفنية طالما أنها أشارت وصرّحت بالمسكوت عنه والمزاول بخفّة تحت السطح وهتكت سرّ أفراد القبيلة ... تلك هي القضية !!! وذلك هو زمن الابتذال في كل شيء الذي شجّعها وشجّعتها سهولة الوصول إلى شهرة إعلامية تقتات على إباحيات المؤلف وتضيء له بريقاً مصطنعاً ... فهل تضعنا تلك الكتابات الفضائحية على أعتاب مدرسة تدوم و يقتفي أثرها الآخرون ؟ الإجابة على هذا السؤال مرهونة بالقاريء أولاً و أخيراً الذي لا يقرأ من أجل أن يداعب الوسن جفنيه ، و لا يجعل من ذهنه حفرة لاستلام أفكار و كلمات و جلّ ما يقدمه العمل الأدبي ... القراءة لا تعني لديه القبول والخضوع ، فليس ثمة مؤلف نبي ولا نص مقدّس " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه " فحتى في أقدس كتبنا القرآن العزيز هناك دعوة من المولى عزّ و جلّ للتأمل في معانيه والغوص في أعماقه للتحاور معه وهناك مدح لقاريء بهذه المواصفات ... القاريء الفاعل يتفاعل مع النص ويسخّر آفاق عقله و حسّه اللامحدودة لفهمه و مخاطبته و مساءلته ... وبالتالي ستكون لديه حريّة واعية بقبول النصوص ورفضها من جهة ومن جهة أخرى سيفرض تلقائياً على المؤلف نوعية كتابة توازي فهمه وقدرته على مشاكسة النص بجدارة ... و سيطالبه بنص يكتب على مهل و برويّة تستحقها مواصفات القاريء المبدع ... و لكن إذا كان و صف الحسّيات والتركيز على الجسد والإباحية مسيئاً للمشاعر والأخلاق بحيث لا يجوز للأديب تخطّيه ... يعدُّ الجنس أيضاً حاجة طبيعية وفطرية من احتياجات الإنسان التي جبله المولى تعالى عليها ، وهناك مما يتعلق بالتجربة الإنسانية في مجاله الكثير من المشاكل التي تنعكس سلباً على النفس لأنها خليط من الروح والجسد والاثنان يساهمان في سعادتها وشقائها مما يتعيّن على الأديب الحقيقي التعبير عنهما ومناقشتهما أي حتى بالنسبة للجسد والجنس لكننا نختلف في الكيفية التي يتم بها وفقاً لذلك المعنى خلق النص ... و لأن النصوص الخالدة لا تحتضن في عمقها الجمال وحده بل تضيف لها الهدف والأخلاق ... يصبح الأديب المبدع هو القادر على ربط تلك العناصر مجتمعة وتذويبها في نص يرتكز على طاقة التلميح الخلاّقة القادرة على التماس مع جميع مناخات الروح والجسد والعمل على أكثر من مستوى وأكثر من معنى بقدرة تفوق معنى التصريح الجاهز والمحدود ، حيث فتنة التلميح تجعل من المتلقي مساهماً في فعل خلق النص الأدبي وتجعل من قراءته المغايرة كشفاً واقتحاماً لعوالم خيّالية / متماهية / متفجّرة بالحياة ... مستفيداً من النص القرآني " أو لامستم النساء " وناهجاً طريقته المبدعة في المنطقة المتداخلة بين الوصف وعدم الوصف مبتعداً به عن خدش أخصّ ما يمس الإنسان . ربيع الآخر / 1428هـ مداخلة مقدّمة للنادي الأدبي
أقيمت محاضرة عن
للكاتب الأستاذ /عبد الواحد اليحيائي
وذلك مساء يوم الثلاثاء
21 ربيع الآخر 1428هـ الموافق 8 مايو 2007م
عند الساعة الثامنة مساءً
وذلك في مقر النادي بحي الشفاء بالدمام
بحضور السيدات
أشكر لكم حضوركم (حضوركن) بداية..
وأشكر للنادي دعوته الكريمة..
وأشكر لزملاء السرد رغبتهم في تقديم شيء يتجاوز أمسيات السرد إلى شيء مختلف، وعسى أن نوفق جميعا في تقديم هذا المختلف الذي طلبوه وأملوه.
وأعترف لكم بداية أني ما أتيت لكم محاضرا..
ففيكم الأساتذة..
ومعكم أصدقاء الكلمة والحرف..
وبينكم من حاورني في بعض ما سأقوله اليوم فاتفق واختلف..
وكان جميلا في اتفاقه، وأكثر جمالا في اختلافه.
لكني أتيت إليكم محاورا.. ومتسائلا .. ومستمعا..
فعسى أن نصل معا إلى إجابة واضحة على سؤال شاغل محوره الحرية، ومبحثه الفن، وإطاره الأخلاق.
ولأني أردته حوارا لا محاضرة اخترت أن أعرض عليكم أفكاري ضمن نقاط متتالية وليكن الحوار بيننا بعد ذلك، فالمطروح للنقاش منها ما رأيتموه أنتم (أنتن) جديرا بالحديث عنه، أو لنقل أكثر جدارة بالبحث والتفكير من غيره.
لنفكر
ثم ليكن الحوار حول أفكارنا معا..
ولنتفق ولنختلف..
فإن اتفقنا فليكن اتفاقنا طريقا إلى مسؤولية جديدة..
وإن اختلفنا فليكن خلافنا لائقا بحملة مشعل فكر:
نختلف ولا يقصي أحدنا الآخر ولا يلغيه..
ولكن يعمل معه للوصول إلى حقيقة:
رغبة في كمال..
وبحثا عن جمال..
وإيمانا بمسؤولية وواجب.
ولنبدأ على بركة الله:
ما هي الصلة بين فن السرد في القصة والرواية والأخلاق؟§
وهل السارد واعظ اجتماعي أو زعيم سياسي أو خبير اقتصادي أو هو فنان مبدع وكفى؟
وهل رسالة السرد مرتبطة بأخلاقيات المجتمع؟
ومن وما الذي يحكم على نص (ما) بالأخلاقية أو اللاأخلاقية؟
وما هي مواصفات هذا النص الأخلاقي؟
اهو شيء مقتبس من سلوك السارد (كاتب النص)؟
أو مأخوذ من عبارات النص وكلماته وحروفه؟
أم هي تأثيرات هذا النص على المتلقي؟
أو أنها مقاييس أخلاقية تقاس بدرجة وعي المتلقي وثقافته وعلمه بمقاصد السارد؟
الأخلاق ليست في مواجهة§ مع الحرية ولا هي في موقف تضاد..
الحرية تقابل العبودية..
والا أخلاقية تقابل الأخلاق.
الأخلاق التزام مقدس يرتبط بالدين والقيم، وهو التزام مشغول§ بالانتقال من الضرورة إلى الكمال..
الفنون تفعل ذلك أيضا وهنا لقاء..
محوره الإنسان.
الأخلاق مشغولة بالجميل في السلوك..§
هي ليصل الإنسان إلى كماله.
والفن هو الإنسان في واقعه بين آماله وآلامه وتطلعاته عبر التعبير.
وهو (أي الفن) مشغول بالإنسان جميلا كان أو غير جميل.
لا توجد§ حرية مطلقة..
حتى الإباحيون مقيدون بالإباحية حين يصرون على الالتصاق بإباحيتهم بمسوغ أو بلا مسوغ.
بعض المبدعين لا يفرقون بين الحرية والفوضى،§
إما جاهلين أو متغافلين:
لأنهم لا يحبون أن يلتزموا بالتبعات،
ولا يرغبون في تحمل المسؤوليات.
بعض النقاد يفعلون ذلك أيضا.
الحرية تجعل الفن§ أكثر جمالا..
الفوضى هي من يشوه الفنون حين تحول الأخطاء الفنية إلى مبررات تحت دعاوى الحرية.
هناك أخلاق اجتماعية وهناك أخلاق فنية..§
والناقد الاجتماعي ليس الأفضل في مواجهة عمل فني.
الجمال والفوضى كلاهما§ حرية:
الجمال التزام وتناسق وتبعات ومعرفة..
والتناسق حرية مسئولة..
ثم هو انطلاق.
الفوضى تخبط وجهل..
ثم هي انتكاس.
تحمّل المسؤولية، وتقبّل التبعة، هما الفرق بين الجمال والفوضى.
أخلاق الفنان ليست مقياسا في نقد§ عمله الإبداعي..
لكن لا قيمة لعمل فني إن لم يرتقِ بالجميل في حس إنسان.
هل يمارس الفنان (القاص، الروائي) سلوكيات خاطئة في حياته الخاصة§ أو العامة؟!
قد يفعل وقد لا يفعل..
ولا يجب أن يشغلنا ذلك إلا بمقدار تأثيره على الفن الذي يبدعه..
أي بمقدار تأثيره على النص في معناه ومبناه..
المبدع ماض إما إبداعه فهو الحاضر والمستقبل.
والحكمة ضالة المؤمن..
والنص الجميل بُغية القارئ.
القاص ليس بباحث اجتماعي أو مصلح أخلاقي إلا أن يشاء هو§ ذلك..
وليس مطلوبا منه أن يشاء..
وقد يشاء ثم لا يستطيع أن يكون.
في§ نقدنا للفنون..
لنفرق بين الأخلاق والأعراف..
ولنعي أن العرف الأدبي قد يتفق مع غيره من الأعراف وقد يختلف معها.
إذا آمن الفنان المبدع بالقاعدة مات§ الإبداع..
لأن الإبداع حرية.
وإذا لم يؤمن بها الناقد مات الفن..
لأن الفن نظام.
ما الغاية من الفن عموما؟§
المتعة أو المنفعة؟
لِمَ يصْعُب علينا أن نقول: هما معا؟!
الفن للفن..§
لنؤمن بها حين تعني أن جمال النص في شكله ومضمونه..
لا يوجد نص لا يعني شيئا على الإطلاق..
حين يفعل فهو عدم لا نقرؤه ولا نسمعه ولا نحسه ولا نراه..
ولا قيمة لعدم.
الفن الجميل§ مهارة..
ولا مجال للحديث عن مهارة بدون قاعدة..
لكن ما شأن الإبداع الجميل في انطلاقته الأولى بلا مقياس..؟!
هو القاعدة الجديدة لإبداعات قادمة.
§ الناقدُ مشغول بالجمال لا القبح..
لكنه يتأمل القبيح ويتساءل:
لم هو قبيح أولا..؟
وكيف نحوله إلى جميل ثانيا..؟
والسؤال الأصعب: هل ذلك ممكن وكيف..؟
الفن عموما عمل تهييجي، وتحريك الناس نحو الأفضل والأكمل من مهام§ الفنان العظيم، ومن السخف أن نطلب من الفنان أن يضع قيدا على عقله حين يبدع، حينها سننتهي إلى جنين ميت.
الذين يطلبون من الروائي أن يهتم برأي الآخر قبل أن§ يقول ويكتب، يطلبون منه أن يتحول إلى راقصة تهتز لترضى عنها الجماهير، ومهمة الروائي اكبر من ذلك بكثير، هو يخلق مسؤوليات جديدة من شأنها أن تختلف مع الواقع أكثر مما تتفق معه، ومن شأنها أن تدفع للتغير باتجاه الأكمل والأجمل.
على§ المبدع أن يقول ويكتب بحرية مسئولة.
وعلى الناقد أن ينظر في نتاجهِ وفق مقاييس الفن وأدواته،
ووفق موهبته وقدراته كناقد في محضر إبداع.
من المبدع المسؤولية وتحمل التبعة..
ومن الناقد الدلالة على الجمال والدعوة إليه..
ومن المجتمع الوعي والفهم والتفهم.
من مهام الفن أن يرتقي بالذوق§ العام..
ومن شأن الرقي بالذوق العام أن يرتقي بالأخلاق.
ضمير الفنان§ ووعيه حرية وليسا قيدا.
يجب أن نفرق بين الناقد الفني والناقد§ الأخلاقي..
الناقد الفني يركز على العمل وبواعثه الفنية أكثر من تركيزه على تأثيراته الأخلاقية..
والناقد الأخلاقي مشغول بالتأثيرات الأخلاقية أكثر من انشغاله بالعمل وبواعثه الفنية.
هل المطلوب ناقد فني مشغول بقضية الأخلاق؟!
أو أن المطلوب ناقد أخلاقي مشغول بقضايا الفن؟!
ربما كلاهما مطلوب..
على أن يتذكرا معا أن الإبداع صنو الحرية لا الأغلال.
يمكنك أن§ تختلف مع المبدع أخلاقيا..
لكنك لا تستطيع أن تلغي سمة الجمال في الفن الذي يقدمه هذا المبدع إن كان جميلا..
كما لا تستطيع أن تزيده جمالا إن كان قبيحا رغم أخلاقيته.
النقد الأخلاقي له علاقته بالمجتمع ودينه وثقافته وروءاه وآماله§ وأحلامه، هو متصل بالفرد والمجتمع والدولة والحريات الممنوحة من قبل البيئة عموما. وسيبقى الصراع قائما بين المبدع الحر والناقد الفني القادر على استكناه الجمال وفصله عما سواه، وبين المجتمع الذي يقيم نفسه وصيا على أخلاقيات الأفراد وسلوكياتهم وفق معادلات الدين أو الحزب أو الدولة. هذا الصراع هو ما تنشأ عنه بعض سنن التدافع التي يتحرك معها الفن إجمالا نحو الأفضل.
صراع يجب أن يكون الحوار بين المختلفين قوامه..
والجدة في كل شيء نتاجه..
في الفن..
وعلى الأفراد..
ثم على المجتمع كله..
وهو صراع يجب أن يبقى ويستمر.
من§ الأخطاء:
تقديس الرذيلة..
وتقديم التبريرات للسيئات والتجاوزات الإنسانية..
وتحويل لحظات الضعف الإنساني إلى لحظات كمال..
والمبالغة في وصف الغرائز الإنسانية وتجسيدها..
ومنح أوسمة البطولة للمجرمين..
هي أخطاء في واقع الحياة وهي أيضا أخطاء في قلب الرواية أو القصة القصيرة..
وهي أخطاء قد تدل على خلل في ذوق الفنان وفي قدرته الفنية وفي أدواته..
قبل أن تدل على خلل في معاييره الأخلاقية.
الناقد مشغول بالعمل الإبداعي..§
وليس بالمبدع..
هو باحث عن جمال
ثم هو بعد ذلك وقبله داعية لهذا الجمال.
§ البقاء للفن الجميل:
الفن الجميل يتجاوز الإنسان وزمانه ومكانه.
أنت§ تستطيع أن تنتقد كتاب الشعر الجاهلي وتستعين بمن انتقدوه كذلك، لكنك أبدا لا تستطيع أن تقول أن الدكتور طه حسين رحمه الله لم يكن يحسن الكتابة الفنية، ويستطيع غيرك أن ينتقد بعض ملامح الفكر الإلحادي في أدب نزار وأمل دنقل.. لكنه أبدا لن يستطيع أن ينفي الشعرية عن الشاعرين الكبيرين.
في الأدب العربي عندنا: ألف ليلة وليلة..
وهناك الكثير من المعيب أخلاقيا في شعر أبي نواس..
ولعلنا نتحدث أبعد من ذلك عن صور ماجنة عند امرئ القيس..
أما الروايات الحديثة فيكفيك أن تقرأ طيف الحلاج في القران المقدس..
أو حتى عبده خال في الطين..
أو الأوبة لورده عبدالملك..
ويمكنك بالتأكيد أن تختلف مع هؤلاء في الفكر الأخلاقي الذي تمثله هذه الأعمال..
وقد تؤمن بأثر مدمر على الشباب المراهق بعد قراءتها..
لكنك ببساطه لا تستطيع أن تلغي ألف ليلة وليلة..
ولن تمحو ديوان أبي نواس وامرئ القيس..
ولعلك ستعجز إن حاولت إقناع عبده خال بعدم طباعة الرواية مرة أخرى..
وبعد ذلك فلن تستطيع أبدا أن تنفي الخلق الفني في هذه الأعمال كلها.
الناقد الفني ينظر إلى العمل وفق قواعد الفن والمقاييس الخاصة§ بالعمل الفني نفسه.
هو لن يصف هذا العمل الفني بـ(الجيد).. لأنه يؤمن بما يؤمن به كاتبه عقديا أو اجتماعيا أو سياسيا..الخ، ولن يصف ذاك العمل بـ(السيء) لأن كاتبه مختلف معه في ذلك كله،
إن فعل فسيقدم نقدا سيئا لا قيمة له.
§ نشر الوعي أجدى بكثير من محاربة الفكر الذي نختلف معه..
لا نستطيع أن نوقف هجمة فكر نختلف معه في زمن مفتوح ثقافيا..(الإنترنت، الفضائيات، الجوال..الخ)، لكننا بالتأكيد نستطيع أن ننشر قدرا كبيرا من الثقافة والوعي في مواجهة الفكر الذي اختلفنا معه وبالوسائل المفتوحة ذاتها.
النشر حق عام من حقوق§ الإنسان..
والإطلاع حق يمارسه بوصاية.. (الصغير حتى يكبر، والنائم حتى يفيق)..
لكن ماهي الوصاية المقترحة، ومن الذي يقررها..؟
هنا تختلف المرجعيات.. باختلاف الناس وزمانهم ومكانهم..
وعلى الفن إن أردناه محلقا أن لا يبالي باختلافات الناس..
وعلى الناقد أن يلتفت للفن وحده..
وعلى الواعظ أن يبالي بمؤثرات الفن على الأخلاق.
النشر ليس قضية الناقد أو المبدع§ وحدهما..
بل هو قضية المجتمع وثقافته وأفكاره..
قضية المسموح به والممنوع داخل هذا المجتمع ومنظومته الأخلاقية..
هو قضية بين الكاتب حين يقرر النشر والمجتمع (أخلاقيا كان أو غير أخلاقي) حين يقبل المنشور أو يرفضه.
والدعوة إلى الفضيلة ليست مهمة ناقد الفن الأساسية حين ينتقد النصوص أو يناقش الإبداع أيا كان نوعه..
لكنها قد تكون مهمته حين يصبح .. الرقيب..
وللرقيب ثقافته، وفكره، ومدرسته، وأصدقاؤه وخصومه..
وتلك إشكالية مرهقة حقا.
على الرقيب§ في ذواتنا أن ينتبه إلى الخيط الرفيع:
بين الحرية والفوضى..
والجمال الفني والقبح الأخلاقي..
وبين الثقافة والعبث.
والمشكلة أن الرقباء يتفاوتون في فهم الحرية..
والمبدعون يتفاوتون في فهم الجمال..
والنقاد يتفاوتون في تقدير هذا كله بين الجميل في ذاته والقبيح في تأثيره، أو القبيح في ذاته والحسن في تأثيره.
وكما أن النشر حق من حقوق الجميع فالقراءة كذلك..§
من حق الكاتب أن ينشر ما يشاء..
ووفق ما يرى من منظور الفن أو الأخلاق أو هما معا..
ومن حق القارئ أيضا أن يقرأ ما يشاء،
لكن..
وفق مقاييسه هو كقارئ لا مقاييس الكاتب اعتبارا لجودة العمل الفني أو أخلاقياته.
ليكتب من شاء عما ومن شاء وبالطريقة التي يشاء..
ذاك حقه وتلك حريته..
لكن ليس من حقه أن يمارس الإقصاء مع القارئ حين يختلف معه هذا القارئ.
قد يوجد القالب الفكري الذي يلائم الاثنين معا..
وقد لا يوجد..
حين يوجد.. فلا بأس باتفاق..
وحين لا يوجد فلا حرج في خلاف.
ليقل الكاتب رأيه..
ثم ليقل القارئ رأيه..
ثم ليصطرعا بالفكر وحده..
ولتكن الغلبة للجمال وللفكر وللإنسان.
بأيهما§ تكون خسارتنا أكبر؟
بفنان حر يُنجز إبداعا عظيما..
أو بأخلاق وديعة تبث السكون في المجتمع؟
أليس من الأفضل أن يكون لنا فنان مشاغب على أن لا يكون لدينا مشاغبين على الإطلاق؟
لنلذ بصراع الأفكار، ولنأمل الخير باختلافها وتلاقحها.
من الفنان حسب موهبته وقدرته..§
ومن الناقد حسب ثقافته وعلمه بالمقاييس الفنية..
ومن رجل الأخلاق قدرته على تمييز النافع والضار بالفرد والمجتمع.
وللقارئ ذوقه واختياره.
وللجميع حريتهم في التفكير والتعبير.
هل من دور للرقيب ؟!§
نعم..
لأن المبدع والمتلقي لا يعيشان في فراغ يتيح لهما أن يفعلا ما يشاءان..
بل هما في مجتمع.. وفي دولة.. وضمن نظام.. ومحاطان بإطار أخلاقي..
وهما أيضا ضمن سياسة عامة.
لا يمكن تحويل قطار عن مساره بكسر القضبان..
ولا يمكن خرق سفينة في وسط البحر لأن في أسفلها داعية حرية..
ولن يصبح رسم خليع بديلا عن الموناليزا..
ولن يتحول بائع غرائز ضمن أدب مكشوف إلى شكسبير.
ولنا أن نقول باسم الفن أن الحرية حق للفنان..
وباسم النقد أن الفن معياره الفن..
وباسم المجتمع أن على الفن أن يكون رقيا بالذوق والأخلاق..
وبلا حرية مبدعة، ولا نقد منهجي، ولا ذوق أخلاقي..
لن يكون هناك مجتمع سليم..
هي أقانيم ثلاثة لا تنفصل في حس مجتمع..
ولا ينبغي أن تنفصل في حس فنان مرتبط بقضايا مجتمعه ووطنه وأمته.
الحديث عن الغرائز حق مشروع للجميع، ولن نختلف على هذا..§
لكن ما الغاية من هذا الحديث:
هل هو لتوضيح مسلك إنساني، أو تفسير لحالة ضعف بشري، أو لبيان دور الغرائز في مسيرة حياة؟!
أو هو لاستثارة هذه الغرائز بين كاتب وقارئ مشغولان بالغريزة على حساب العقل والوجدان؟!
في القرآن الكريم حديث عن§ التي قالت هيت لك، وتلك التي أحصنت فرجها، وذاك الذي قضى منها وطرا، وتلك التي خانت زوجها، لكن في سياق يخاطب عقل الإنسان بأشرف الألفاظ المتداولة زمن النزول، ولتوضيح فكرة لا يمكن الوصول إليها بغير الإشارة العارضة لشيء أو شخص لغاية تتجاوز الأشياء والأشخاص إلى الأفكار، وفي الأدب الحديث كلام كثير عن الجنس: بين ديستوفسكي، وهاردي، ومحفوظ وغيرهم، لكنه الكلام الذي يغوص في النفس الإنسانية سابرا ومحللا ودارسا، الكلام الذي بحذفه من النص يختل النص كله، وليس الكلام الزائد الذي يكتبه الكاتب حين يسوق نفسه بإبراز العورات بلا مبرر من فن أو داع من فلسفة و عقل.
لنجرب فنضع في مكان واحد صورة عارية تماما.. وعمل فني لبيكاسو أو§ دافنشي أو ماتيس أو سيزان أو ما شئت من الناس.. ثم لنتابع القراءات والتعليقات.. ما أشك أن متابعي الصورة العارية سيكونون أكثر بكثير من متابعي العمل الفني، لأن مخاطبة الغريزة لا تتطلب من الإنسان أكثر من أن ينشغل بهذه الغريزة، ومخاطبة العقل تتطلب قدرا كبيرا من الوعي والتفكير (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين).. انتشار العمل الفني في أوساط الجماهير لا يدل على جودته.
في النهاية لا يصح إلا§ الصحيح..
ولا يبقى إلا ما ينفع الناس.
لنقل ذلك دون أن نحجر على حرية أحد فليكتب..
أو وصاية على عقل أحد فليقرأ..
لكن لا مناص من أن نفكر قارئين وكاتبين فيما ينفعنا وينفع الناس.
هل نكسر قلم السارد..§
أو نقطع يد الرقيب؟!
ومتى نصل إلى مجتمع لا نحتاج فيه الرقيب ثقة بأن لا حاجة لوصاية إنسان على إنسان؟!
وهل نستطيع أن نفعل ذلك إقتداء بغيرنا..؟
وهل هذا الـ(غير) في واقعه يصح اعتباره قدوة حسنة لنا ؟
حتى لا نصل إلى ذلك: الكسر والقطع..
سأقول: أن حماية الأخلاق واجب من واجبات المجتمع..
وسأقول لصديقي القاص : أكتب ما يوحيه لك فنك..
ودعني أكتب ما تمليه علي رؤيتي الفنية..
وسأختلف معك وأتفق..
ثم ليحاسبني ويحاسبك المجتمع وفق قيمه وأفكاره..
ولنتحمل جميعا الحرية كما هي بمسؤولياتها وتبعاتها..
وليكن في ذلك تجديد دائم:
في ذوق القارئ،
وفي إبداع الفنان،
وفي وعي المصلح.
وعسى أن يستفيد الناس من هذا الصراع كله..
جمالا..
ومتعة..
وأخلاقا.
شكرا لكم..
شكرا لكن.
أضف تعليقا
من البحرين

عزيزي كاتبنا المُبدع عبدالله،
محاضرة جدا راقية ومفيدة،
كما المداخلة
لي عودة قريبا لكون الموضوع يستحق الوقوف عنده كثيرا
دمت بخير
حسن
من المملكة العربية السعودية

صباحك رضا يا عبدالله
جميل منك ان تنقل هذه المحاضرات الرائعه
فالكثير يجهل
هذه الاخلاقيات
ووجها الآخر المغطى خلف ستار الامبالاة
لك الشكر الجزيل على إنارة هذا الجانب
اخي عبدالله
شكرا لك على هذا النقل الرائع
واكيد ان الفن والادب يسير بخط متوازي مع الاخلاقيات
شكرا لك
ويسعدنا رايك بجديد ابنتي حنين
دمت بخير
من المملكة العربية السعودية

محآظرة في قمة آلتآلق وآلروعة....!!
وشآكرة لك على هذآ آللآبدآع..!!
من المملكة العربية السعودية

مرحبا skoonalrooh
نعم تكتمل الفتنة حين يمتزج الخلق بكل شيء
ولذا يمنحنا السلام والوفاق والجاذبية والدهشة
حضور راق ، لاحرمت منه
وأشكر لطف كلماتك المحفزة
تحيات عاطرة
من المملكة العربية السعودية

مرحبا alalawi2006a
طاب لي حضورك
وطال الغياب أيضا
أنتظر مجيئك بشوق لأتروى برأيك عند الوقوف على نقاط الموضوع
تحياتي
من المملكة العربية السعودية

مرحبا eexex
صباحك بهجة
سرني حضورك وتقصي حروف هذه المدونة المتواضعه ..
وسرني أيضاً أن يكون الموضوع قد حاز على رضاك
والجاهل عدو لنفسه.. أيتها العزيزة
لاحرمت من تواجدك الدائم
تحياتي الخالصة
من المملكة العربية السعودية

مرحبا قمة الفن
أولاً أشكر لك الدعوة الكريمة التي سرتني فعلا.. قرأت لحنين هناك ولكني لم أعلق..
ثانياً أبهجني حضورك البهي هذا والذي جاء محفزاً لمسيرة إبداع بخلق أجل..
لاحرمت من تواجدك العاطر
تحيايت
من المملكة العربية السعودية

مرحبا mgnonta
العفو سيدتي
وأنا شاكر لك تواجدك الطيب بين حروفي
لا حرمتُ منه أبداً حيث أنه غيب استمد منه طاقة إلى الارتقاء
تحياتي
من المملكة العربية السعودية

تعمق في صلب الموضوع
من كل النواحي ..
مُحتوٍ لوجهات نظر مختلفة
قد يتفق عليها البعض وقد يختلفون
مُبادرة منك يا النصر تدل على رقي فكرك
وجُهدفي طرح مفهوم المحاضرة
//
نالت من يديك نبع ماء ..
دمت متميزاً
من المملكة العربية السعودية

مرحبا watersound
حضور بهي راق لي كما يروق الحرف
لاحرمتُ منه
تحياتي العاطرة
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












من المملكة العربية السعودية
الفن الراقي السائر في درب
يتلألأ في ضوء الإبداع إلى جانب
الرقي الأخلاقي
هو فنٌ أشبه بوردة يتضوّع
فيها الشذى
فهي فاتنة من جهتين ..
.
.
محاضرة راقية
تستحق المطالعة
ولكم التميز في أسلوب تقديمها
.
.
لي عودة
لتنفـّـس شذاها أكثر
دمتم لتميز .