الـــــــوجـــــــه الآخــــــــــــــــــر
موقع شخصي تعريفي للكاتب القاص/ عبــدالله النصـــر

الصفعة

 
 
الاثنين  24 شعبان
 Monday 20th October,2003
 
الصفعة
 
قصة الاخ «عبدالله محمد النصر» عنوانها يذكرنا بالعنوان نفسه للقاص المعروف «خليل ابراهيم الفريع».. وهي نقطة غير ذات أهمية، فالناس يلتقون في الأسماء، لكن اشكالهم، وألوانهم، وشخوصهم شتى.. وهي قصة تصور موقفاً انسانياً جميلاً لوافد هندي يبيع «الفل» لرواد الشاطئ صوره الكاتب تصويراً فنياً يعكس قدرته على «السرد القصصي» المعبر في غير ما اطالة، او حشو:

«قبل أن اجيب زوجتي.. قرأت بذلك الوجه، في وجهه بلفتة بسيطة جداً، احلاماً جمة هائمة، اشرعتها فقطعت في اعاصير كل المحيطات، فقدت صريعة خلف قضبان المستحيل.. كذلك آلاماً كثيرة، منحوتة منذ امس بعيد، بغيض.. بل رأيت مشاهد مدمية اقيمت على مسارح جمهورها قيام.. شجرة شذبتها رياح السموم، واحترقت سيقانها، وجملة من الاشجار في احراش مهملة.. تريد بكل ما اوتيت من قوة أن تحيا من جديد، او تتشبث بالحياة.. ثقافة وجهي اعانتي على هذه القراءة.. لكنها لم تؤثر في مثلي، ولم ترسم على احد وجوهي المتقدمة».

لقد استطاع القاص من خلال هذا السرد القصير قراءة ليس شكل الهندي بائع «الفل» بل همومه.. ومشاعره كإنسان مسحوق.. وكانت «الصفعة» تتمثل فيما بعد المساومة على سعر «عقد الفل» الذي طلب الهندي ثمناً له «5 ريالات» فأبى البطل «الزبون» الا ان يشتريه بريال واحد.. فامتنع الهندي في غضب.. ورمى العقد للزبون دون مقابل وسار في طريقه لا يلتفت الا انه اراد ان يثبت للزبون الوجيه بسيارته التي ربما كانت فارهة، انه رغم فقره وبؤسه فهو اكرم منه.. وكانت «الصفعة» الذابحة التي تلقاها «الزبون» او بطل القصة، رغم الحاح الزوجة على شراء العقد بالسعر الذي طلبه الهندي.. والقصة تعكس صورة نبيلة للمسحوقين، صورة قد لا يجدها الإنسان عند غيرهم من الموسرين المتعجرفين.

والقاص في البداية اشار الى ان التي كانت تجلس بجواره في السيارة هي «صاحبته» فاذا بنا نفاجأ بعدها انها زوجته.. فهل هو نوع من «الإسقاط» ام انها مجرد خطأ عفوي؟

ودون الدخول في المتاهات التحليلية، فان القصة ناجحة بكل المعايير، والمقاييس.. والقاص يمتلك عناصر وادوات القاص المتمكن من فنه.. وهو اذا استمر على هذا المستوى سيثبت وجوده.. ويضع بصماته على خارطة القصة القصيرة.. في بلادنا.. هذا إذا لم يكن معروفاً.
 
 
 
 

الـصـفـعــة

 

أنظر إليه، لا أريد.. لكنه بنداءاته، أجبرني على ذلك !!

 

ظله أطول بكثير من قامته.. 

ولا يتشابهان أيضاً في العَرْض..

كذلك درجة لون الظل أفتح جداً من لونه..

بل لا يمكن لوجه الظل أن يكون جافاً كوجهه الذابل المستدير..

سوداوية مشاعري نحو أمثاله.. أراوغ حين أبديها بلساني المتلكئ.. ووجهي يخفي عدة وجوه بالكاد يميز الآخرين واحداً منها، أو يبني على أحدها صروحاً من الأمان..  يضج داخلي جداً:

 

-      كيف يرضى ورد ( الفل ) أن يكون تحت ضمِّ يد هذا الرجل ؟.. بل كيف غُلِبَ على أمره ليكون تحت تأثير خياله فيصنع منه عقداً يتاجر به؟.. لماذا لا يكون لي كما يكون له، بل أسهل بكثير؟..  أتراه من العدل أن يحتضنه من لا يمكن أن يشبهه حتى في اللون والرائحة؟!!..

 

من هنا رغبتي عُدِمَتْ.. لا تريد الفل وإن كنت في أشد الو له إليه ..

 

أردت أن أختفي خلف سُحُبٍ من العمى النصفي.. ربما يرحل.. انشغلت بكيفية إيقاف سيارتي الفارهة بجانب رصيف الشاطئ الأخضر.. حفرت وجداني الأودية العميقة في بيداء وجهي.. بهدوء أسأل صاحبتي الجالسة في المقعد جانبي:

-        عمري.. هل الرصيف بعيد، أم لا ؟..

 

لم تنبس.. فأنظر إليه، مع أنني لا أريد.. لكنها هي أيضاً أرغمتني على ذلك !!..

 

سهام عيونها لم تلامس أبداً ملامحي المذهولة بها.. كانت تمر من جانبي لتنغرس في الرجل.. لكنني أستخدم وجهاً آخر.. فأستفهم:

 

-        ترى ما الذي استقطب نظرها من هذا الهندي.. خِلقته؟.. أم حركاته؟.. لا.. لا أعتقد فهي قلّما تهتم بهؤلاء..

 

 لكنها سرعان ما صرخت، صراخاً كاد يثقب أذني اليمنى بجانب سبابتها، مبددة أجواء ظنوني وأحداسي:

-        فاضل.. كلم الرجل.. أفتح زجاج السيارة..

-        ها !!.  أجبت بدهشة وارتعاب، فتابعتْ:

-        اشترِ منه عقداً من الفل.

 

أنظر إليه.. لا أريد.. لكن أحد الوجوه التي أخبؤها في وجدي، والتي تدعي النـزاهة، تفرض وجودها بفرضية الموقف.. قبل أن أجيب زوجتي.. قرأت بذلك الوجه في وجهه بلفتة بسيطة جداً، أحلاماً جمة هائمة، أشرعتها تقطعت في أعاصير كل المحيطات، فغدت صريعة خلف قضبان المستحيل.. كذلك آلاماً كثيرة، منحوتة منذ أمس بعيد ، بغيض .. بل رأيت مشاهداً مدمية أقيمت على مسارح جمهورها نيام.. شجرة شذبتها رياح السموم، واحترقت سيقانها وجملة من الأشجار في أحراش مهملة.. تريد بكل ما أوتيت من قوة أن تحيا من جديد، أو تتشبث بالحياة.. ثقافة وجهي هذا أعانتني على هذه القراءة.. لكنها لم تؤثر في مثلي، ولم ترسم شيئاً على أحد وجوهي المتبقية!!.. فبزيف ابتسامة أجبت زوجتي:

 

-         ها !! ......... من أين ؟. وكأني لم أره

-         على يسارك.  قالت وهي تزم شفتيها، فأجبت متصنعاً الاندهاش:

-         أووووه... نعم.. نعم.. !!

 

أنظر إليه.. لا أريد.. مازلت متسنماً الأفق العاجي، أكره النـزول.. أتعزز عن مقابلته بوجه قد تخيله.. فنـزلت بوجهي الذي أحببت.. التفت إليه قائلاً وأنا أرتب جوانب غترتي:

 

-         رفيق.. بكم هذا ؟

-         واحد.. خمسه ريال. ( قال وهو يهز رأسه ، وعلى وجهه ملامح توسل)

-         دعني أرى!!.... ( مططت شفتي)

أم م م.. طيب ليه لونه أصفر ؟ (قلت بعبوس)

-         رفيـق.. شمس واجد حار.. بس فيه ريحه كويِّس. (قال متضاحكاً )

 

وخزت زوجتي خاصرتي اليمنى قائلة بحدة:

-         اشتره.. يالْـله.. بأي حاله عليه.

 

أردت أن ألج يدي في جيبي لأخرج منه القيمة المطلوبة، لكنني بمراوغة وتمرد قلت له: ( رفيق.. اعطني عقد واحد بريال ).. فخِلْتُه سينخر الصخر بعروق كالأزميل كي يحقق من خلالها شيئاً من الماء لاخضرار أغصانه.. بل خِلْتُه سينحني إجلالاً للريال المنتظر.. لكنه ما لبث أن أجابني، قائلاً:

-         خذ واحد.. أنا مايـبـي فلوس.

 

 فرمى إلي بعقد عبر زجاج السيارة المفتوح ومشى دون التفات أو توقف.

 

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 26 رمضان, 1430 02:16 ص , من قبل نون
من المملكة العربية السعودية

أستاذ القص أخي عبدالله
منذ زمن قرأت للقاص الفزيع ومازلت أتذكر أسلوبه التقليدي في القص وعليه أقول أن المقارنة بين أسلوبك وأسلوبه فيه هظم كبير لك ولو لا أن الكاتب تراجع عن قوله هذا وإلا وضع نفسه في محل الملامة.
أؤكد أن أسلوبك خاص بك وأرق من أن يكون تقليديا.
لازلنتُ أبحر في قصصك وأتتبعها وأتمنى ألا أكون ضيفاً ثقيلاً عليك فتقبلني معجبا لايبرح مكانك .
دعواتي لك بالتوفيق




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


القائمة البريدية
قائمتي البريدية
الإسم الكامل:
البريد الإلكتروني:
اشترك الآن
إلغاء الإشتراك